
❗️صدى الولاية | خاص❗️
بقلم: د. محمد هزيمة – كاتب سياسي وباحث استراتيجي
في أقل من عشرة أيام، شهدت الساحة الدولية اجتماعين بارزين يرتبطان بمستقبل المنطقة ومسار المواجهة المفتوحة فيها، أحدهما عسكري بعيد عن الأضواء في ألمانيا، والثاني سياسي وعلني في نيويورك.
الاجتماع الأول جمع، بحسب تقارير إعلامية، قيادات عسكرية أميركية وإسرائيلية وعربية تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، في ظل الحرب مع إيران والتصعيد في اليمن والتهديدات التي تطال طرق الملاحة والطاقة.
أما الاجتماع الثاني، فعُقد في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة ومسؤولين من دول عربية وإسلامية، وبحث التطورات الأمنية في الشرق الأوسط، وانعكاساتها على الاستقرار وإمدادات الطاقة والاقتصاد، إضافة إلى الاستراتيجيات المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب.
وبين الاجتماعين، تبدو المسألة أبعد من مجرد تنسيق عسكري أو لقاء سياسي. إنها محاولة لإعادة ترتيب المنطقة بعد أشهر من المواجهات التي غيّرت الكثير من الحسابات السابقة.
الخليج يقف أمام واقع أمني واقتصادي ضاغط، فيما تحولت الممرات البحرية الاستراتيجية إلى إحدى أبرز أوراق القوة في الصراع. مضيق هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين للتجارة والطاقة، بل أصبحا جزءاً أساسياً من التفاوض حول مستقبل المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً داخلية متزايدة. فقد تراجعت شعبية الرئيس ترامب إلى حدود 32% وفق استطلاع حديث لـ«رويترز/إبسوس»، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران، وعلى أبواب انتخابات التجديد النصفي.
لكن أين لبنان من كل ذلك؟
هنا تكمن العقدة الأساسية.
لبنان ليس بعيداً عن التسوية الإقليمية المحتملة، بل يقع في قلب الملفات المرتبطة بها. فواشنطن تضغط في ملف سلاح حزب الله، فيما تربط قضايا الأمن وإعادة الإعمار وترتيبات الجنوب بمسار سياسي وأمني أوسع.
في المقابل، أثبتت التطورات أن حسم ملفات المنطقة بالقوة العسكرية وحدها ليس أمراً سهلاً. فالحرب لم تُنهِ الصراع مع إيران، ولم تُغلق جبهة اليمن، ولم تحسم ملف حزب الله في لبنان، كما بقيت القضية الفلسطينية حاضرة رغم محاولات الانتقال إلى ترتيبات «اليوم التالي».
وهنا تظهر أهمية اجتماع ألمانيا.
الاجتماع العسكري لم يكن منفصلاً عن أمن الطاقة والممرات البحرية والتصعيد مع إيران واليمن، بل عكس الحاجة إلى تنسيق أوسع بعدما أصبحت حماية الملاحة والمنشآت والقواعد جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية الأميركية والإقليمية.
أما نيويورك فتمثل الوجه السياسي للمشهد نفسه.
هناك محاولة للانتقال من إدارة الحرب إلى البحث في شروط المرحلة التالية، ومن يدفع كلفتها، ومن يحصل على الضمانات، وما هي الترتيبات المطلوبة في إيران واليمن والعراق ولبنان وفلسطين.
وهذا تحديداً ما يجعل لبنان جزءاً أساسياً من الصورة.
أي تسوية إقليمية واسعة ستصطدم بملفات الحدود والجنوب وسلاح المقاومة وإعادة الإعمار والوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية المحتلة وآلية تطبيق أي تفاهمات أمنية جديدة.
من هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل هناك تسوية؟
السؤال الأهم هو: بأي توازنات ستُصنع هذه التسوية، وما الثمن المطلوب من كل طرف؟
فالمنطقة انتقلت من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على فرض قواعد اللعبة منفردة إلى واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الطاقة والممرات البحرية والاقتصاد والقدرة على تعطيل مصالح الخصوم.
إيران تدرك قيمة هرمز.
أنصار الله يدركون أهمية باب المندب.
حزب الله يدرك موقع الجبهة اللبنانية في التوازن الإقليمي.
والفصائل العراقية تدرك قيمة موقع العراق في معادلة الضغط بين طهران وواشنطن.
أما الولايات المتحدة فتحاول إعادة جمع هذه الملفات ضمن معادلة سياسية وأمنية تسمح لها بالخروج من الحرب بترتيبات قابلة للحياة.
لهذا، فإن المسافة بين اجتماع ألمانيا وقمة نيويورك ليست جغرافية فقط.
إنها المسافة بين محاولة إدارة الحرب ومحاولة صناعة التسوية.
وفي الحالتين، يبقى لبنان حاضراً في قلب الحسابات، لأن أي إعادة رسم للتوازنات الإقليمية لن تستطيع تجاوز الجبهة اللبنانية ولا موقعها في معادلة الصراع.
ومن هرمز إلى باب المندب، وصولاً إلى لبنان، تتكرس قاعدة باتت أكثر وضوحاً في السياسة الدولية:
من يمتلك أوراق القوة يدخل المفاوضات بشروطه، ومن لا يمتلكها ينتظر ما يقرره الآخرون.